<مقدمة الرواية>
على هَامِشِ الوُجود، صِرتُ أُدَوِّنُ الهَزيمة؛ كاتبٌ كلاماً في مذكراتٍ لا تقرأُها إلا الجدران، مذكراتٌ ليست لسردِ الأمجاد، بل لتأطيرِ الخواء. فما حكاياتي إلا جرحٌ وآلامٌ تلبّست هيئةَ حروف، لتعكسَ كلَّ شيءٍ في حياتي؛ ذلك 'الشيء' الذي كان ممتلئاً بالمعنى، ثم استحالَ عَدماً في لحظةِ غَدْر.
وفي وسطِ الظلام—حيثُ تسقطُ الأقنعةُ وتتساوى الملامحُ بالفراغ—أجدني وحيداً، لا أملكُ إلا أن أحكي لي يومياتي؛ ليس رغبةً في التذكر، بل إثباتاً لأنني لا زلتُ هنا، أتنفسُ رَمادَ الوعودِ التي احترقت قبل أن تكتمل.
هذا الكلامُ ليس شِعراً، بل هو 'صوتُ الارتطام' بالقاع؛ حقيقةٌ عاريةٌ كُتبت بمدادِ الصدقِ لتخبرَكَ أنَّ الوجودَ الحقيقي يبدأُ حين تدركُ أنَّ مذكراتِك هي كلُّ ما تبقى لكَ من العالم."
"لا يبدأُ العَدَمُ من الموت، بل يبدأُ من اللحظةِ التي ندركُ فيها أنَّ كلَّ ما نفعلهُ هو مجردُ مَحاولاتٍ لملءِ فراغٍ كونيٍّ لا يمتلئ. ما ستجدهُ في هذه الأوراق ليس سرداً لحكاية، بل هو توثيقٌ لِـ 'اصطدامٍ' حقيقيٍّ بالواقع؛ ذلك الواقع الذي لا يقدمُ تفسيرات، ولا يلتزمُ بالمنطق، ولا يعتذرُ عن فظاعتِه.
الفلسفةُ الحقيقيةُ لا تجدُها في الكتب، بل تجدُها في 'يومياتٍ' تُحكى وسط الظلام، حيثُ تسقطُ الأقنعةُ ويصبحُ الكلامُ هو الملاذُ الأخيرُ قبلَ التلاشي. إنني أضعُ هنا 'وقائعَ مجردة'، حدثتْ بالفعل، لتكونَ دليلاً على أنَّ الزمنَ ليس إلا خدعةً بصرية، وأنَّ المعنى الذي نطاردهُ قد يتبخرُ في لحظةِ صدفةٍ لا تملكُ أيَّ مبررٍ فلسفي.
القارئُ الذكيُّ لا يبحثُ هنا عن عواطف، بل يبحثُ عن 'الحقيقةِ العارية'؛ الحقيقةُ التي تخبرُنا أننا مجردُ عابرين في ممرٍّ مظلم، نحاولُ أن نكتبَ مذكراتنا قبل أن تنطفئَ الشعلة. ما ستقرأهُ هو 'الوجود' كما هو.. بلا تجميل، وبلا ضمانات، وبلا نهاياتٍ مَصنوعة. هي حكايةُ إنسانٍ اكتشفَ أنَّ كلَّ شيءٍ في حياته كان يمهدُ لهذا 'الخلاء' العظيم."
يقولون إنَّ الحياةَ تُقاسُ بالأنفاس..
لكنني تعلمتُ معها أنَّ الحياةَ الحقيقيةَ تُقاسُ بتلك اللحظة؛
اللحظة التي تعثرُ فيها على روحٍ تشبهك..
روحٍ تأخذُ بيدك من عتمةِ "الظل" لتضعك تحت ضياءِ اليقين.
لم تكن مجردَ لقاءٍ عابر، بل كانت "انبعاثاً"؛
فبين يديها وتحت طهرِ قلبها.. وُلدتُ من جديد.
كان الزمانُ قبلكِ.. يمرُّ بي كقطارٍ سريع لا أرى منه إلا الوجوه الباهتة.
وصار الزمانُ معكِ.. محراباً للسكينة، ليتحولَ كلُّ يومٍ قضيتهُ بجانبكِ إلى "عمرٍ كامل"
من النقاء والوفاء.
> إنَّ الوفاءَ الذي سكنها لم يكن صفةً تُكتسب، بل كان طبيعةً تجري في عروقها،
> كجريانِ الضوءِ في مسامِ الفجر.
>
لقد كانت معي بصدقٍ يجعلكَ تخجلُ من عثراتك،
وبنقاءٍ يُجبركَ على أن تكونَ إنساناً أفضل.
حبي لها لم يكن اختياراً، بل كان استجابةً لجمال روحها الذي لا يُوصف؛
ذلك الجمال الهادئ الذي لا يحتاجُ إلى ضجيج ليُثبتَ وجوده.
فكان يكفيني أن أنظرَ إليها لأدركَ:
أنَّ الأرضَ لا تزالُ بخير..
وأنَّ اللهَ يبعثُ إلينا من طهرهِ ما يُرممُ انكساراتنا.
إلى القارئ..
وأنتَ تقلبُ هذه الصفحات، لا تبحث عن قصةٍ خيالية،
بل ابحث عن "الصدق" الذي غُرس بين الكلمات.
لقد كتبتُ هذا الكتابَ بدمعِ الوفاء قبل حبرِ القلم؛
لأقولَ لكَ إنَّ الأرواحَ الطاهرة هي الهدايا الوحيدة
التي تستحقُّ أن نُحاربَ من أجلها،
وأن نُخلصَ لها.. حتى النهاية.
> اقرأ بقلبٍ مفتوح، واستشعر معي كيف يمكنُ لروحٍ واحدة
> أن تكونَ هي "الوطن".. وهي "السماء".
>
اتركْ روحك تنسابُ مع هذا الهدوء الفلسفي،
لعلَّك تجدُ في "نصفي الذي في السماء" ما يُشبهُ نِصفك الذي تبحثُ عنه.
هنا نبدأ.. ليس من الكلمات،
بل من النبض الذي آمنَ بأنَّ الحبَّ وفاء..
وأنَّ الوفاءَ خلود.
وإلى تلك "الأصل" التي منحتني من روحها نوراً أهتدي به: لا تحزني إذا رأيتِ ابنتكِ في كلماتي طيفاً لا يُمس،
فالمعادن النفيسة لا تضيع، بل تُصان في خزائن الغيب. إن
التي غادرت لم ترحل، بل "ارتقت"
لتعيد ترتيب نبضي من مكانٍ
أرفع. لقد كنتِ أنتِ الجسر الذي عبر منه النور
إلى حياتي، وصار لزاماً عليّ الآن أن أحرس هذا النور حتى يجمعنا الميقات الذي لا يخون.
خلف جدار الصمت، وفي ذمة المساء،
ولدت هذه الحكاية.. لتقول للعالم:
إن الأرواح التي تخرج من الظل،
لا تعود إليه أبداً، حتى لو غاب السراج.